الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

112

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

ومن ذلك اتساع خلقه في شريف تواضعه وآدابه وحسن عشرته مع أهله وخدمه وأصحابه . وقال بعضهم : اعلم أن العبد لا يبلغ حقيقة التواضع إلا عند لمعان نور المشاهدة في قلبه ، فعند ذلك تذوب النفس ، وفي ذوبانها صفاؤها من غش الكبر والعجب ، فتلين وتنطبع للحق والخلق بمحو آثارها وسكون وهجها وغبارها . وكان الحظ الأوفر من التواضع لنبينا - صلى اللّه عليه وسلم - في أوطان القرب وحسبك من تواضعه - صلى اللّه عليه وسلم - أن خيره ربه تعالى بين أن يكون نبيّا ملكا ، أو نبيّا عبدا ، فاختار أن يكون نبيّا عبدا ، فأعطاه اللّه تعالى بتواضعه أن جعله أول من تنشق عنه الأرض وأول شافع ، وأول مشفع ، فلم يأكل متكئا بعد ذلك حتى فارق الدنيا . وقد قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم ، إنما أنا عبد اللّه ، فقولوا : عبد اللّه ورسوله » « 1 » رواه الترمذي . ومن تواضعه - صلى اللّه عليه وسلم - أنه لا ينهر خادما ، روينا في كتاب الترمذي عن أنس قال : خدمت النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - عشر سنين ، فما قال لي أف قط ولا قال لشئ صنعته : لم صنعته ؟ ولا لشئ تركته لم تركته ؟ « 2 » وكذلك كان - صلى اللّه عليه وسلم - مع عبيده وإمائه ، ما ضرب منهم أحدا قط ، وهذا أمر لا تتسع له الطباع البشرية لولا التأييدات الربانية . وفي رواية مسلم : ما رأيت أحدا أرحم بالعيال من رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « 3 » . وقالت عائشة : ما ضرب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - شيئا قط بيده ، ولا

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 3445 ) في أحاديث الأنبياء ، باب : قول اللّه وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها ، وأحمد في « المسند » ( 1 / 23 و 24 و 47 ) ، من حديث عمر - رضى اللّه عنه - . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 6038 ) في الأدب ، باب : حسن الخلق والسخاء ، ومسلم ( 2309 ) في الفضائل ، باب : كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أحسن الناس خلقا . ( 3 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 2316 ) في الفضائل ، باب : رحمته - صلى اللّه عليه وسلم - الصبيان والعيال ، من حديث أنس - رضى اللّه عنه - .